عشتُ حياتي أم عاشوها؟ صراع الشغف الدفين وقسوة الخيارات المفروضة
عشتُ حياتي أم عاشوها؟ صراع الشغف الدفين وقسوة الخيارات المفروضة
"عندما يفقدُ الإنسانُ قدرتَه على الاختيار، يفقد إنسانيته." — ستانلي كيوبريك.
مقدمة: طقوس المطر والهروب إلى الملاذ
في ذلك اليوم المشهود، كنت عائدة من روتين عملي المنهك، وكان الجو بارداً إلى درجة تجمد الأطراف. كانت الأمطار تنهمر بغزارة شديدة، وكأنها شلالات مياه عمودية تدفقت بقوة فوق رؤوسنا. ومن شدة حبات المطر المتلاحقة، لم أكن أستطيع حتى أن أرفع رأسي قليلاً لأتبين ملامح الطريق أمامي.
كل ما كنت ألمحه هو حركة أقدام مسرعة في الشوارع؛ بشر يركضون ويركضون بذعر، كأنهم يحاولون التخفي والهروب من أناس يلاحقونهم في الخفاء. وفي وسط ذلك الصخب وصوت الرعد، لم تكن أذني تسمع سوى جملة واحدة ترددت على الشفاه وكأن الجميع قد اتفقوا على ترتيلها: "الله يجيب اللي فيه الخير". وأخيراً، وبعد أن تبلل جسدي بالكامل واخترق البرد العظام، وصلت إلى سيارتي، واتجهت فوراً إلى بيتي؛ فهو الملاذ الدافئ الوحيد في مثل هذه الأجواء العاصفة.
روتين الطبيب وصوت المذياع غير المتوقع
بمجرد صعودي إلى السيارة، مددت يدي لأشعل الراديو، ليس رغبة في الترفيه، بل لأستمع بدقة إلى تفاصيل النشرة الجوية وتطورات الطقس في الساعات القادمة؛ فأنا بانتظاري مناوبة ليلية طويلة وطارئة في المستشفى.
ربما تملكتكم الدهشة الآن، فقد نسيت تماماً أن أعرفكم بنفسي: أنا طبيب بشري، أفنيت عمري بين أروقة المشافي، متزوج ولدي شاب وفتاة في مقتبل العمر. ولكن "ما علينا" — كما نقول في لهجتنا الدارجة لتجاوز التفاصيل العابرة.
انشغلت للحظات بمسح زجاج السيارة الأمامي الذي تكاثف عليه الضباب؛ كى أرى الطريق بشكل أوضح، وبينما أنا مستغرقة في محاولة الرؤية، انبعثت من المذياع مقولة فلسفية غريبة وغامضة، اخترقت صمت مقصورتي: "عندما يفقدُ الإنسانُ قدرتَهعلى الاختيار، يفقد إنسانيته".
ذكريات السابعة عشرة: أحلام الكاتب السجين
يا الله! كم هزتني هذه الكلمات، وكم كانت كفيلة بأن تعيد عقلي وعمري سنوات طويلة إلى الوراء، وتحديداً إلى المحطة الفاصلة عندما كنت في سن السابعة عشرة من عمري. تذكرت فجأة ذلك الشاب الحالم الذي كنته؛ فقد كنت منذ نعومة أظافري أعشق الكلمة والحرف، وأجد نفسي في كتابة المقالات، وتدوين الخواطر، ورسم اللوحات الأدبية.
كنت أحلم بلا حدود أن أكون كاتباً مشهوراً يشار إليه بالبنان، وتصل أصداء كلماتي وتعبيراتي إلى أبعد أرجاء العالم. كان مثلي الأعلى الذي يغذي روحي هم عمالقة الأدب العربي، وفي مقدمتهم "نزار قباني" و"محمود درويش"؛ لدرجة أنني كنت أمتلك دواوينهم وكتبهم كاملة، وأخبئها بين ثنايا قلبي قبل رفوف غرفتي.
سلطة العشيرة ومقصلة الطموح الإجباري
كنت أريد بشدة وبكل جوارحي أن أدرس الأدب وأصبح كاتباً، ولكن هيهات لأحلام الفرد أن تقف في وجه طموحات الجماعة! فلم تسمح لي عائلتي بخوض هذا الغمار، وقرروا نيابة عني — وبشكل قاطع — أن مساري الوحيد هو أن أكون طبيباً، والسبب؟ لكي يرتفع رأسهم فخراً، ويتباهوا بإنجازي بين أفراد العائلة الكبرى وفي مجالس العشيرة.
وقفوا أمامي بملامح حازمة لا تعرف اللين، وقالوا لي كلمات كانت بمثابة حكم مؤبد على شغفي: "دكتور يعني دكتور.. لننسمح لك أبداً بأن تكون أي شيء آخر غير ذلك!". وهكذا، وُضعت أحلام الكتابة على المقصلة، لتبدأ صدمة عيش حياة اختارها لي الآخرون.
الهروب إلى الرضا وبوابة "عسى أن تكرهوا شيئاً"
أمام إصرار العائلة الحازم ومقصلة خياراتهم المفروضة، لم أجد مفراً سوى الانصياع الصامت. جلست في عزلتي أحاول مواساة نفسي الكسيرة، وقلت لها بصوت خافت: "أن تكون طبيباً فهذا أمر جميل وراقٍ، وله مكانة مرموقة ومركز رفيع بينالآخرين". أخذت أستحضر وأردد في عقلي جميع العبارات والجمل الإيجابية التي تحمل في طياتها معاني التسلية والمواساة، متشبثاً بالآية القرآنية العظيمة التي تمنح القلوب السكينة:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
وبالفعل، استسلمت للأمر الواقع ودخلت كلية الطب، وأفنيت الليالي والأيام بين مجلداتها الضخمة حتى تخرجت منها بتقدير "جيد جداً". لكن المفارقة الأجمل في تلك الرحلة الشاقة، هي أنني في غمرة دراستي واغترابي النفسي، أحببتُ فتاة طاهرة بادلتني نفس المشاعر بصدق ونقاء.
اخترتها بكامل وعيي وقلبي لتكون شريكة عمري، ورسمنا معاً خطوط المستقبل؛ خططنا لكيفية بناء منزلنا المتواضع، حددنا ألوان جدرانه، وتفاصيل زواياه. بل إننا من فرط عشقنا تجاوزنا الحاضر لنحدد عدد الأطفال الذين سننجبهم وأسميناهم أيضاً في خيالاتنا. في تلك المرحلة، كان والدي ممتناً لوجودها غير المباشر في حياتي؛ فلولا هذا الحب الملهم لما أحببتُ كلية الطب، ولا كتبها الجافة، ولا حتى لقبي كطبيب. وكنت أنا أيضاً قد بدأت أشعر بالامتنان لأبي لأنه دفعني لتخصص منحني فرصة لقاء نصف الغائب.
مجلس الخيبة وزئير الأسد المباغت
بعد حفل التخرج البهيج، وأنا أحمل لقبي الجديد كطبيب رسمي، جلست مع عائلتي في ذات مساء دافئ. كنت أتأهب لأذيع عليهم خبراً ظننته سيفجر في قلوبهم ينابيع الفرح؛ فأنا الابن الأكبر، والعريس المنتظر الذي حان وقت زفافه.
لكنني لم أكن أتوقع أبداً أن يتحول الخبر السعيد إلى كارثة وطامة كبرى تقتلع استقراري من جذوره! بمجرد أن نطقت بكلمات صريحة: "أنا أحب فتاة وأريد الزواج منها"، اهتزت أركان الغرفة بصوت أبي القاطع الذي انطلق كزئير أسد غاضب: "بلا حب بلاكلام فارغ! أنا من اخترت الفتاة التي ستتزوجها، وليس هناك أي حديث أو نقاش بعد هذا الكلام!".
خذلان المشاعر ومقصلة "الحسب والنسب"
تلقيت الكلمات كصدمة كهربائية شلت تفكيري، وشعرت بخذلان عميق يمزق صدري. تملكتني الحيرة وتساءلت في حرقة صامتة: "كيف يحدث هذا؟ ألا يحق لي — وأنا الطبيب الذي يداوي جراح الناس — أن أتخذ هذا القرار المصيري وحدي؟!".
لكن العرف الاجتماعي كان له رأي آخر؛ فهذا القرار يجب على الجميع أن يتدخلوا فيه ويختاروه معي بحجة "الحسب، والنسب، والعائلة، والأخلاق، والجمال الباهر". ويسوقون لك التبرير القاسي دائماً: "أنت ما زلت صغيراً، ولن تحسن اختيار فتاةتشرفنا وتشرف عائلتنا أمام الناس".
يا للقسوة! لم يراعِ أحد منهم نبضات هذا القلب، ولم يلتفتوا للحظة واحدة نحو المشاعر والأحاسيس التي تضج في أعماقي. لماذا يُلغى وجودي هكذا؟ وأين أنا من حياتي الخاصة؟!
صدمة الواقع وإغلاق سماعة الحياة
في هذه اللحظات العاصفة، تجد نفسك مجبراً على تقبل الأمر الواقع والرضوخ التام لقوانين القبيلة، خاصة بعد الرد الأخير والصادم من الفتاة نفسها. تذكرت عندما اتصلت بها بنبرة يملؤها التحدي والاضطراب وقلت لها: "سأتقدم لخطبتكِ منأهلكِ بمفردي، وسأتحدى جميع الظروف والعقبات من أجلكِ، فلا تقلقي".
لكن جوابها كان بمثابة رصاصة الرحمة على أحلامنا؛ إذ قالت بنبرة حزينة ومستسلمة: "لا يا ابن الناس.. أهلي لن يقبلوا بزواجيقوم على التحدي والمشاكل. الله يسعدك ويهنيك، ويبعث لك من هي أفضل مني".
وما إن أنهت كلماتها حتى أقفلت سماعة الهاتف ببرود فرضه الواقع. في تلك الثانية المحددة، تملكني شعور مظلم بأن حياتي كلها قد أُغلقت أبوابها وشبابيكها مع إغلاق تلك المكالمة، لتتركني طبيباً يداوي أجساد البشر، بينما روحه تنزف خلف معطفه الأبيض.
ملاذ الماء البارد ومحاولات غسل الذاكرة
وصلتُ إلى بيتي والسيارة تكاد تغرق في السيول، ونزلتُ منها تحت وابل السماء المنسكب كالشلالات المتلاحقة. فتحتُ باب المنزل على عجل، ودخلتُ سحيقاً في صمت المكان. ركضتُ نحو الحمام وضعتُ رأسي تحت الصنبور مباشرة، تاركاً المياه الباردة تنهمر بقوة على وجهي، لعلها تملك القدرة على طرد هذه الذكريات المؤلمة وغسل أوجاع الروح.
لكن المياه كانت تنهمر، وعيوني المغلقة تحتها تبصر تفاصيل الماضي بوضوح مرعب. تذكرتُ اللحظة التي أعلنتُ فيها موافقتي المستسلمة على العروس التي اختاروها لي، ووقعت في أذني عباراتهم الاستعطافية المؤثرة: "نريد أن نفرح بك.. نريدأن نرى أولادك قبل أن نموت".
في تلك اللحظة، عدتُ إلى ذات أسلوب المواساة الزائف الذي استخدمتُه عند دخولي كلية الطب؛ أخذتُ أُقنع نفسي الخائبة بالاحتمالات: "لعلها غير مناسبة لي، وعلى أية حال ليس كل من أحب ظفر بمحبوبته، فأغلب البشر لم يتزوجوا من أحبوا، ولمتقف الدنيا عليّ أنا بالذات! لعل الأيام القادمة أفضل، لعلها تحبني أكثر، ولعل ولعل ولعل...". ورغم كل تلك الـ "لعل"، كان صراخ قلبي الداخلي واضحاً: "ولكنني أريد محبوبتي أنا!"، ولم أجد في النهاية درعاً أحتمي به سوى عبارة: "الخيرة فيما اختاره الله".
الزفاف الحزين والمشاعر السليبة
وأتى اليوم المنتظر؛ لكنه كان يوماً منتظراً وعيداً صاخباً لعائلتي وعشيرتي وليس لي أنا على الإطلاق. وقفت العائلة من حولي وقالت لي بلهجة حاسمة: "نعلم أنك لم تكن تريد الزواج منها، ولكنها بنت الحسب والنسب، ويجب عليك أن تحترمها، وإياكأن تزعجها بكلمة، ويجب عليك أن تحبها".
كانت الأوامر واضحة ومحددة، وكان عليّ التنفيذ دون نقاش. لكن الذي أثار حنقي وابتسامتي الساخرة في آن واحد هي عبارة "يجب أن تحبها"! ابتسمت مرتدياً قناع الرضا وقلت في نفسي: "هل أبقت لي محبوبتي الأولى مشاعر حب لأمنحها لغيرها؟إنها لم تترك قلبي في صدري أصلاً، بل اقتلعته معها ومضت في طريقها".
مقصلة القرارات المفقودة: حتى اسم ابني!
جففتُ شعري من بقايا الماء، وجلستُ في بهو الصالون المتسع، ورفعتُ رأسي نحو الجدار المقابل، فإذ بعيني تقع على صورة ابني الأكبر. تذكرتُ على الفور يوم ولادته؛ كم كنتُ فرحاً وشغوفاً بقدومه إلى العالم، وكم كنتُ أريد أن أسميه اسماً مميزاً أحببته كثيراً منذ صغري لأتكنى به بين الرجال.
لكنني، وبينما كنتُ أحتضنه بين ذراعي وأتحسس براءته، فاجأتني العائلة بقرارها الجاهز: "الطفل الأول يجب أن يُسمى علىاسم الجد، وهذا الموضوع غير قابل للنقاش أو الجدال!".
وضعتُ طفلي في سريره الصغير، وابتسمتُ بمرارة، وخرجتُ من الغرفة وأنا أتساءل بذهول: "ما هو القرار الوحيد الذياتخذتُه أنا بمفردي في هذه الحياة؟ لا تخصصي العلمي، ولا شريكة حياتي، بل وحتى أبسط حقوقي الأبوية في اختيار اسم ابنيسُلب مني!".
أنا لم أكن معترضاً على اسم أبي — لا معاذ الله — فله كل التجليل، لكن الزمن اختلف، واسم والدي كان قديماً جداً، وكنتُ أخشى في الخفاء أن يأتي اليوم الذي يكبر فيه ولدي ويسألني بعتاب: "لماذا أسميتني بهذا الاسم؟"، فماذا سأقول له حينها وكيف سأقنعه؟
صراع الأجيال وحكمة الشابي في وجه درويش
وبالفعل، دارت عقارب الساعة، وكبر الطفل، وأتى اليوم الذي وقف فيه أمامي وسألني بذات العتاب المتوقع: "بابا.. لماذااسمي هكذا؟". نظرتُ إليه وقلتُ محاولاً التملص: "على اسم جدك، أنت الابن الأكبر ويجب أن تحمل اسم جدك، هلفهمت؟".
لم يقنع الجيل الجديد بردي، ونظر إليّ قائلاً: "لماذا أنا بالذات؟ ولماذا لم تكن هذه الأسماء القديمة من نصيب إخوتيالباقين؟!". هنا، لم أجد أمام نقاشه الحاد سوى أن أقتبس له كلمات الشاعر الكبير محمود درويش لأبرر له خضوعي، فقلت له:
"أكبر تنازل تقدمه في حياتك هو أن تتأقلم.. عوّد نفسك على أن تتأقلم على جميع الظروف حتى تستطيع أن تكمل حياتك يا بني".
نظر إليّ الابن نظرة طويلة ملأتها الغرابة والرفض، ثم رد عليّ بنبرة قوية هزت كياني وكأنه يصفع استسلامي، مستشهداً ببيت الشاعر الثائر أبو القاسم الشابي:
"وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الجِبَالِ ... يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَرِ"
أطبقتُ شفتي وصمتُ تماماً، ونظرتُ إليه وقلتُ في أعماق نفسي بجوارح يملؤها الكبرياء: "إن ابني أشجع مني، وأكثر قدرةعلى المواجهة"، وافتخرتُ من كل قلبي في تلك اللحظة أنه ابني؛ لأنه يملك الشجاعة التي افتقدتُها أنا طوال حياتي.
نُشرت النسخة الأولى من هذا المقال بقلم الكاتبة هبة الحجاج في موقع سواليف، وتم تحديثه وتوسيع محتواه هنا حصرياً"
https://sawaleif.com/عشت-حياتي-أم-عاشوها-512618/#google_vignette

تعليقات
إرسال تعليق